المدن الذكية، بين الحلم والحقيقة

kishan

المهندسة. ماريتسا فارجاس
ماجستير اقتصاد بيئي تطبيقي


قبل عشرين عاماً، شاهدت فيلم خيال علمي أميركي تدور أحداثه حول رجلين عاشا في أواخر حقبة التسعينات، تم تجميدهما بالتبريد لمدة 30 عاماً ثم عادا والتقيا في سنة 2032 في "سان أنجيليس" وهي مدينة حضرية متكاملة حسنة التخطيط. وهناك، كان المواطنون يعيشون بسعادة ويساهمون بحماية البيئة، مع انعدام الجرائم وعدم وجود هدر للمياه وانتفاء التعامل بالعملات النقدية بالإضافة إلى تمتعهم بجميع أنواع الاختراعات المستقبلية. وعلى الرغم من أنني لا أذكر سير أحداث الفيلم تحديداً، ولا حتى نهايته؛ إلا أنني أذكر تلك المدينة لأن فكرة جالت في خاطري "أتمنى أن أتمكن من العيش في مدينة مثل تلك في يوم من الأيام". وبإلقاء نظرة سريعة على أخبار هذه الأيام، فيبدو أن ذلك لم يعد خيالاً علمياً بعد الآن، وأنه من المرجح تحقق أمنيتي: فالمدن الذكية تنتشر من أمريكا إلى آسيا، وتتركز معظمها في أوروبا مع العديد من المشروعات الواعدة في الخليج العربي.

ما هي المدينة الذكية بالضبط؟

يميل بعض الأشخاص إلى تضييق مفهوم المدن الذكية لاستخدامه لوصف مكان يستفيد بشكل كبير من استخدام تكنولوجيا المعلومات وحصرها بالهواتف الذكية أو البطاقات الذكية ،(ICT) والاتصالات أو المنازل الذكية أو أي "شيء" ذكي. ويمكن تقريباً اعتبار أية وسيلة إلكترونية لتحسين الحياة الحضرية بأنها مبادرة مدينة ذكية. وبنفس القدر، فمن الصحيح أيضاً أن وسائل الاتصالات الحديثة وتكنولوجيا المعلومات تساهم في تحسين أداء المدن بشكل أفضل، ولكن هل تؤدي فعلاً إلى جعل المدينة أكثر ذكاء؟

وفقاً لمصطلحات التخطيط الحضري، فإن المدن الذكية تتجاوز بكثير ما قد يدركه معظم الأشخاص، وعلى الرغم من ذلك، فلا تزال هناك بعض الاختلافات عند تعريف المدينة الذكية. ومع ذلك، يرى ريك روبنسون (مهندس تنفيذي، سمارتر سيتيز، مجموعة برمجيات آي بي إم أوروبا) بأن، " المدينة الذكية تسعى بشكل منهجي إلى إيجاد وتشجيع الابتكارات في مجال أنظمة المدينة المتاحة بواسطة التكنولوجيا؛ مما يؤدي إلى تغيير العلاقات بين إيجاد قيمة اقتصادية واجتماعية من جهة واستهلاك الموارد من جهة أخرى؛ ويؤدي بالتالي إلى المساهمة بطريقة متناسقة لتحقيق الرؤية والأهداف الواضحة المدعومة بالإجماع السائد بين المساهمين في المدينة".

وثمة مفهوم يعتمد الناحية النظرية أطلقه كاراجليو ايت آل، جامعة أمستردام 2011 ، الذي قال: "يمكن تعريف المدينة بأنها "ذكية" عندما تساهم الاستثمارات في رأس المال البشري والاجتماعي والبنية الأساسية لوسائل الاتصال التقليدية (النقل) والحديثة (تكنولوجيا المعلومات والاتصالات) في دعم التنمية الاقتصادية المستدامة وفي إيجاد نوعية راقية من الحياة، مع الإدارة الحكيمة للموارد الطبيعية، من خلال العمل الجماعي والالتزام والإدارة القائمة على المشاركة".

يعرف الاتحاد الأوروبي المدن الذكية بأنها تلك التي تجمع المدينة والصناعة والمواطنين معاً لتحسين الحياة في المناطق الحضرية من خلال حلول متكاملة أكثر استدامة. ويشمل ذلك ابتكارات تطبيقية وتخطيطاً أفضل واتباع منهجية أكثر تشاركية وكفاءة طاقة أكبر وحلول نقل أفضل واستخدام ذكي لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الخ، وبذلك يمكن تعريفها بأنها المدينة التي تحقق أداءا .. ،(ICT) جيداً في جميع هذه المجالات الستة، من خلال تفاعل مشترك بين القطاع الاقتصادي والحوكمة والنقل والبيئة والحياة مع مواطنين يتمتعون بالوعي والاستقلالية.

المدن الذكية الأوروبية هو مشروع مثير للاهتمام تم تنفيذه في 70 مدينة متوسطة الحجم في أوروبا في عام 2007 حيث تم ترتيبها بناءً على الخصائص الستة للمدن الذكية. وكان الهدف من هذا المشروع هو القيام بتحديد نقاط القوة والضعف في كل من هذه المدن المتوسطة الحجم بحيث تصبح أكثر تنافسية من خلال تحقيق التنمية المحلية المناسبة للجميع.

وقد أظهرت النتيجة النهائية لمشروع ترتيب المدن الذكية - مدن أوروبية متوسطة الحجم أن مدينة لوكسمبورج كانت الأولى من بين 70 مدينة أخرى. وكانت إحدى المبادرات الذكية لمدينة لوكسمبورج هي (هوت سيتي ووكر)

  1. خدمة التنقلات: خطوط الحافلات المنضبطة المواعيد، أقرب محطات الحافلات، إيجار الدراجات، مواقف سيارات مجانية، معلومات حول الإنشاءات، معلومات بخصوص حركة المرور.
  2. خدمة البحث عن الأماكن: المكتبات، المطاعم، الفنادق، الخ.
  3. خدمة زيارة الأماكن: التنزه مشياً في المدينة
  4. مسح الصور: ماسح ضوئي مجاني
  5. فعاليات الحياة الليلية في المدينة
  6. الحصول على التذاكر بواسطة الرسائل النصية: لشراء تذكرة حافلة
  7. المفكرة: مفكرة ثقافية للمدينة
  8. المشاهدة الحية: بث تلفزيوني مباشر لاجتماع مجلس مدينة لوكسمبورج.

كيف تقوم التطبيقات الذكية بتحسين الخدمات في مدننا اليوم؟

حسناً، في حال كنت تشعر بأنك لست على ما يرام في نيويورك، فبإمكانك استخدام تطبيق آي ساعدني، أنا مريض للعثور على أقرب (“Help me, I’m Sick”) أو إس نظام تشغيل آي فون مركز خدمات طبية وطلب المساعدة مع توفير خريطة لموقعهم.

ستريت بامب: وهو تطبيق يساعد السكان على تحسين ظروف شارعهم. حيث يعمل التطبيق أثناء القيادة، ويقوم بتجميع بيانات المطبات والحفر بواسطة نظام تحديد المواقع ويقوم بإرسالها ليتم تحليلها. فيقوم مفتش بمعاينة المطب أو الحفرة ويتم إصدار أمر إصلاح بخصوصها. حيث يتم استخدام هذا التطبيق حالياً في عدة ولايات في أمريكا الشمالية.

وإليكم مثال جيد آخر من سان فرانسيسكو، وهو تطبيق (سان فرانسيسكو واي) الذي يشمل أكثر من 50 تطبيقاً تحتوي كل ما تحتاجه للعيش أو الانتقال أو التنقل أو العمل أو الإقامة أو الزيارة في المدينة.

وفي سياتل، يوجد تطبيق يدعى (موم مابس) خاص بالعائلات التي لديها أطفال صغار، يساعد على إيجاد أماكن ترفيه ومواقع مخصصة للأطفال أثناء التنقل، ويتضمن جميع المعلومات الخاصة بالحدائق والملاعب والمطاعم والمتاحف وأماكن اللعب المغلقة.

وبإمكاننا العثور على الآلاف من التطبيقات التي تهدف إلى جعل مدننا أكثر لطفاً وإلى الحصول على معلومات عن حركة المرور في الوقت الحقيقي وعن مواقف السيارات وإلى تحديد مواقع الدراجات وأماكن الرعاية الصحية وحتى إلى وقف الجريمة، مثل التطبيق المنتشر في فيكتوريا، أستراليا.

وتعد التطبيقات الذكية بمثابة أدوات فعالة لتحسين الحياة اليومية للمجتمعات في مدننا. ويمكن للتكنولوجيا أن تساعد بشكل حاسم في حصولنا على المنازل الذكية وفي توفير الطاقة والمياه وفي تحسين إدارة النفايات وفي التواصل بشكل أفضل وفي تعزيز الاقتصاد. ومع ذلك، يوجد بعض المشككين في قدرة الأنظمة الذين يتساءلون حول موثوقية عدد قليل من شركات التكنولوجيا العملاقة الخاصة ويخشون من نقص الطاقة أو إخفاق الهيكلية الذكية بشكل عام.

يجب أن لا تظل المدن الذكية حلماً بعد الآن؛ فبإمكانها أن تكون واقعنا. حيث سنكون، من خلال اتباع منهجية أكثر شمولية يتمثل في القيام بدمج البنية التحتية والتخطيط الحضري والهندسة المعمارية والثقافة والتراث وتكنولوجيا المعلومات مع المؤسسات الحكومية والسلطات والمجتمعات الإقليمية والمحلية، قادرين على معالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للحصول على مدينة ذكية ومستدامة على المدى الطويل.

مصادر الصور:

المادة التالي >

تصميم الموقع من قبل Traffic