ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﺍﻟﺒﻴﺌﻲ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﻭﺍﻻﺳﺘﺪﺍﻣﺔ

ﺩﻛﺘﻮﺭ ﻋﻤﺎﺩ ﺳﻌﺪ
ﻣﺴﺘﺸﺎﺭ ﺍﺳﺘﺪﺍﻣﺔ ﻭﻣﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﻣﺠﺘﻤﻌﻴﺔ ﻟﻠﻤﺆﺳﺴﺎﺕ
Emadsaad126@gmail.com

ﻣﻘﺪﻣﺔ

التربية البيئية عملية مستمرة طالما استمرت حياة الإنسان، يحتاج إليها الصغار والكبار على حد سواء، تهدف إلى توصيل الوعي البيئي والمعارف والسلوكيات والقيم الإيكولوجية إلى الجماعات المستهدفة في قطاعي التعليم الرسمي وغير الرسمي، بالإضافة إلى الالتزام بالفعل والمسؤولية الأخلاقية نحو الاستخدام الرشيد للموارد من أجل تنمية سليمة وقابلة للاستمرار. والتعليم البيئي يعتبر جزءً أساسياً من برامج واستراتيجيات المدن المستدامة، لأنه معني بالتعامل المسؤول مع مختلف جوانب الحياة(في البيت والمدرسة والمكتب والشارع والحديقة.) بطريقة صديقة للبيئة. بالتالي التعليم البيئي هو أحد أولويات وتحديات استدامة المدن في العصر الحديث.

من هنا فقد أولت كافة الحكومات والجهات المختصة في الدول الكبرى أهمية قصوى لإدراج برامج التعليم البيئي في المناهج المدرسية وخصوصاً المرحلة الابتدائية على اعتبار أن العلم في الصغر كالنقش على الحجر على قاعدة المسؤولية المجتمعية.

فالتوعية البيئية على قاعدة المسؤولية المجتمعية هي رؤية تربوية متقدمة تسعى إلى إيجاد توازن بين الرخاء الإنساني والاقتصادي والتقاليد الثقافية للمجتمع واستدامة الموارد الطبيعية والبيئية من أجل حياة أفضل للفرد والمجتمع في الحاضر وللأجيال القادمة التي لم تولد بعد. وتطبيق مبادئ التوعية من أجل تنمية مستدامة يتطلب الاعتماد على منهجيات ومقاربات تربوية متعددة الأغراض والأساليب لتأمين تعلم أخلاقي مدى الحياة لجميع فئات المجتمع والمناطق، وتشجيع احترام الاحتياجات الإنسانية التي تتوافق مع الاستخدام المستدام والمتوازن للموارد الطبيعية والمحافظة عليها من أجل البشرية في حاضرها ومستقبلها، وتغذي الحس بالمواطنة البيئية والتضامن على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.

ﻛﻠﻨﺎ ﺷﺮﻛﺎﺀ:

بلا شك أننا نطمح إلى تعليم بيئي ابتدائي متوازن (وما قبل الابتدائي) يفضي الى العيش ضمن مدن مستدامة ويعود بالفائدة على الوطن وأبناءه، مع التركيز على أن التعليم باللعب هو أحد أهم الادوات المستعملة في ايصال الفكرة بطرية علمية وعملية بالممارسة كي يُحب ويقتنع الطفل بما يتعلمه، حيث ينمو مع الطفل حس المسؤولية والسلوك المؤثر للفرد مهما كان موقعه المهني او الشخصي في المجتمع، كي يستفيد منه الطفل في جميع المناسبات ولا ينسى ما تعلمه. فالتعليم إما رغبة أو رهبة ونحن في عصر الانفتاح والرغبة بحيث نوفر للطفل بيئة ايجابية راغبة في التعليم ليخرج جميع ما لديه من إمكانيات وتميز سوف تثمر وتساهم في عملية التنمية المستدامة للمجتمع.

من جهة أخرى نرى أن التعليم البيئي بالإمارات ليس حديث النشأة حيث بدأت معالمه تظهر مع بداية قيام دولة الامارات، إلا أنه يفتقر لحد الآن الى مؤشرات حقيقية لقياس مستوى الوعي البيئي لمختلف شرائح المجتمع وبالتالي معرفة ما نحن بحاجة اليه من برامج توعية وتعليم بيئي دون أن نغفل تحديات المجتمع وأولوياته البيئية. فما رأيناه خلال العقود الماضية من جهود وبرامج ومبادرات توعية وتعليم بيئي ما هي إلا ردات فعل وتوجهات واستجابات بعيداً عن أي مسح علمي مرتبط بقاعدة بيانات وخطة استراتيجية. حيث يشكل قطاع التعليم ما لا يقل عن 25 % من مجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل عام، وهذه نسبة ليست قليلة لو استطعنا الوصول اليها ضمن رؤية تعليمية مستدامة نستطيع ان نراهن على تغير بيئي ايجابي في المستقبل القريب (خلال العقدين القادمين على أقل تقدير).

وعليه فقد بدأت مؤخراً مع بداية الألفية الثالثة تظهر مبادرات وخطط استراتيجية للتوعية والتعليم البيئي مبنية وفق معايير وقواعد التميز المؤسسي سواء على المستوى الاتحادي (وفقاً لرؤية الإمارات 2021) أو على المستوى المحلي بإمارة أبوظبي (وفقاً للرؤية 2030) التي ركزت على بناء الانسان بصفته عنصر أساسي في كيان المجتمع وليس في تكوينه. فالكيان هو العمود الفقري الثابت في بنية المجتمع في حين التكوين هو العنصر الأكثر تحولاً وتغيراً في المجتمع بحسب الظروف.

ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﻴﺔ:

في الآونة الأخيرة بتنا نرى نمواً مضطرداً لفكرة المسؤولية المجتمعية في المجتمع المحلي بدولة الامارات بين بعض القطاعات الحكومية وشركات القطاع الخاص تطبيقاً لمتطلبات الجود (ISO 26000) ومعايير التميز المؤسسيا (EFQM) التي من شأنها أن تكون المؤسسة أو المنشأة مسؤولة عن الآثار المترتبة على قراراتها وأنشطتها على المجتمع والبيئة، باعتبار ذلك منهج إداري وجز من الخطة الاستراتيجية للمؤسسة أو المنشأة من خلال سلوك يتسم بالشفافية والأخلاقية، وبذلك تساهم المؤسسة أو المنشأة في التنمية المستدامة والصحة ورفاهية المجتمع؛ كما تأخذ في الاعتبار توقعات أصحاب المصلحة.

في الماضي القريب وبحسب المفكر "تومان فريدمان" في كتابه (الحرية ورأس المال 1962) يقول ان الهدف دائماً هو تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح المالية لأصحاب الشركة أو حملة أسهمها بما يتناسب مع اللوائح والقوانين الحكومية المعمول بها. في حين نرى في العقد الأخير وبحسب المفكر "دانيل فرانكلي" أن المسؤولية المجتمعية للمؤسسات تعتبر الآن هي الاتجاه السائد، بعد أن كانت استعراضاً لفعل الخير في السابق. إلا أن عدداً قليلاً من المؤسسات يمارسها بصورة جيدة. فالمسؤولية المجتمعية للمؤسسات والمنشآت باتت هي أحد أهم مؤشرات التنافسية الاقتصادية بين الشركات والدول على مستوى العالم.

فالالتزامات الأخلاقية والوطنية تملي على المؤسسات والمنشآت أن يكون لها دوراً إيجابياً وصورة أفضل، كما تساهم في رفع رضا المجتمع عن المؤسسة المسؤولة مجتمعياً، ويزيد من أرباحها على المستوى البعيد، في حين من حق الجمهور أن يتوقع من المؤسسات أن تلعب دوراً ايجابياً في محيطها الحيوي، وهذا بدوره يساهم في ايجاد تدابير وقائية لتجنب المشاكل الاجتماعية ما بين الشركة والمجتمع المحلي وخلق بيئة عمل أفضل ونوعية حياة أرقى للمجتمع ككل.

وعليه فقد بدأت تظهر مبادرات وبرامج مسؤولة مجتمعياً ساهمت في دفع عجلة التنمية المستدامة وتمكين المدن من تحقيق رؤيتها الاستراتيجية.

ﺍﻟﻤﺪﺍﺭﺱ ﺍﻟﺨﻀﺮﺍﺀ:

مع تصاعد الاهتمام العالمي بقضايا البيئة وتنامي المطالب بضرورة التصدي بفعالية للمشكلات البيئية الملحة وعلى رأسها مشكلة زيادة الاستهلاك والتغيرات المناخية والاحتباس الحراري المرتبط بارتفاع نسبة تلوث الغلاف الجوي بالغازات الى الحد الحرج الذي لا رجعة منه، وارتفاع رقم البصمة البيئية، ظهر مفهوم التكيف مع تحديات العصر ومتطلبات المرحلة المقبلة وما يقتضي الأمر من نشر ثقافة بيئية مسؤولة عبر ما يعرف بالمدارس الخضراء أو المدارس المستدامة، بهدف تطوير المؤسسات التربوية بيئياً، وأن نُقبل على فلسفة التكيف والترشيد على مستوى العالم (ونحن جزء منه) راغبين قبل أن نكون مرغمين.

فقد بدأت العديد من دول العالم في الاهتمام بإنشاء المدارس الخضراء (المستدامة)، وبصفة خاصة الدول الأوربية، استجابة لدعوة مؤتمر قمة الأرض للبيئة 1992، وتوصيات صندوق البيئة الأوربي بتعميم خطة المدارس الخضراء، بهدف تقييم المدارس وفقاً للمعايير البيئية فيما يتعلق بالعملية التعليمية والتربوية والإدارة والمنشآت وسبل التعامل مع الموارد الطبيعية. وفي بداية عام 2005 م، عممت هذه الخطة في أكثرمن 700 ألف مدرسة في 42 دولة حول العالم.

إن الهدف الرئيسي من المدارس الخضراء(المستدامة)، هو غرسالوعي بالقضايا البيئية لدى التلاميذ والمعلمين وأولياء الأمور وتعويدهم على التعامل معها بجدية في حياتهم، وتقوية الشعور بالمسؤولية والانتماء للمجتمع الذي يعيشون فيه، وضرورة حمايته والحفاظ عليه من كل ما يتهدده من مخاطر وتحديات قادمة وفي مقدمتها التحديات البيئية، وغرس روح المواطنة البيئية والمشاركة والعمل الجماعي لدى التلاميذ، وتزويدهم بالمهارات المختلفة التي تمكن كل منهم من التعامل مع التحديات البيئية بإيجابية وبوعي مسؤول، بما ينعكس بصورة إيجابية على البيئة المحلية والعالمية.

وتشير الدراسات التربوية أن الأطفال في المرحلة الابتدائية على وجه الخصوص لديهم استعداداً أكبر بكثير من الشباب وكبار السن لتقبل القيم والمفاهيم البيئية الجديدة وتعديل سلوكياتهم بنسبة لا تقل عن 85% بما يتوافق مع المعايير البيئية، إذا ما تم توعيتهم وتبصيرهم بما ينبغي عليهم القيام به، وتنمية روح المسؤولية فيهم وتوظيف حماسهم الطبيعي تجاه قضايا البيئة بما يجعل لهم دورا رائداً في توجيه وحث باقي فئات المجتمع على المشاركة في حل مشكلات بيئتهم ومجتمعهم. على عكس جيل الشباب أو كبار السن في المجتمع حيث تؤكد الدراسات العلمية أننا لا نستطيع أن نراهن على تغيير سلوكياتهم بنسبة تفوق ال 5% فقط لأن (الطبع غلب التطبع) كما يقول المثل الشعبي، وأن العلم في الصغر كالنقش على الحجر.

ولا يقتصر دور المدارس الخضراء على مجرد توعية التلاميذ بقضايا ومشكلات البيئة وسبل التعامل معها، أو تنمية مهاراتهم البيئية، ولكنها بمثابة محاولة لخلق نموذج عملي مصغر لنمط الحياة أو لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع بأسره.

فعندما يشارك التلميذ في تنظيف مدرسته ويتعلم كيفية التعامل مع المخلفات بأنواعها وزراعة وغرس الأشجار، وسبل ترشيد استهلاك الطاقة والمياه وضرورة الاعتماد على الإضاءة الطبيعية وإطفاء الحاسب الآلي في فترات عدم استعماله وغير ذلك، فإن هذا سوف ينعكس على سلوكياته خارج المدرسة، سواء في البيت أو في الشارع وبالتالي سيكون الطفل هو القدوة المستدامة في التربية والتعليم البيئي فلديه قدرة كبيرة في التأثير على الكبار قلما نجدها لدى الكبار في تأثيرهم على الأطفال. وهذا الطفل عندما يكبر، فإنه سيعوّد أسرته وأبناءه على التعامل الرشيد مع البيئة ومواردها وهكذا. من هنا يكون التعليم البيئي مستدام نتائجه مستدامة على الانسان والمجتمع بل والكرة الأرضية برمتها.

وإذا كانت الغالبية العظمى من الدول المتقدمة وعلى رأسها كندا ودول الاتحاد الأوربي قد طبقت بنجاح تجربة المدارس الخضراء (المستدامة) في بعض مدارسها، وتسعى لتعميم التجربة على سائر المدارس، فإن تطبيق هذه التجربة في الدول النامية التي لم تقطع شوطاً في الالتزام بالمعايير والاشتراطات البيئية الدولية يواجه صعوبات ومشكلات اقتصادية واجتماعية وثقافية عديدة، لكنه في الوقت ذاته يمكن أن يكون خطوة على طريق بناء أجيال جديدة لديها وعي بيئي وشعور بالمسؤولية تجاه قضايا ومشكلات البيئية.

وهذا ما أدركته مؤخراً دولة الامارات حيث طبقت هيئة البيئة ، بابوظبي بنجاح كبير مبادرة المدارس المستدامة في العام 2009, حيث نجحت المدارس المشاركة في مبادرة المدارس المستدامة خلال السنوات الاربع الاولى بمشاركة 115 ألف طالب وطالبة في تقليل نفاياتها بنسبة 23% وخفض استهلاك المياه بنسبة 54% وتقليل الانبعاثات الكربونية من خلال استخدام وسائل المواصلات العامة.

وتهدف مبادرة المدارس المستدامة التي تنفذها هيئة البيئة ابوظبي الى تعزيز قدرات المدارس والمعلمين والطلبة على التأثير بشكل ايجابي على البيئة، تبعتها في تطبيق التجربة كل من مدارس دبي والشارقة وجاري تعميمها على مستوى الدولة بالتعاون مع المجالس التعليمية ووزارة التربية والتعليم.

ﺍﻟﺨﻼﺻﺔ :

تشير الدراسات المقارنة بين أفضل الممارسات والتطبيقات الخضراء، أن تغيير السلوك اليومي لمختلف فئات المجتمع كي يكون صديق للبيئة في مختلف جوانب الحياة بما يساهم في المحافظة على الموارد وتخفيف البصمة البيئية في مواجهة التحديات البيئية وتحقيق التنمية المستدامة، نجد أن هناك أكثر من عامل له الدور الفاعل والمؤثر في تحقيق الهدف يجب أخذها بعين الاعتبار وهي.

1. حزمة من القوانين البيئية الناظمة للعمل البيئي على قاعدة مؤسساتية.

2. إدراج مفهوم التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية في المناهج المدرسية بمختلف المراحل.

3. تمكين فئات المجتمع من المشاركة الفاعلة في حماية البيئة وتنميتها عبر حزمة من الاجراءات والحوافز الايجابية لأفضل الممارسات والتطبيقات الخضراء تطال مختلف جوانب الحياة.

4. تعزيز مبدأ الشراكة المجتمعية الفاعلة بين مكونات المجتمع (قطاع عام، قطاع خاص، مجتمع مدني، عائلات وأفراد) على قاعدة كلنا شركاء في المسؤولية والبناء.

5. خطة استراتيجية (وليست موسمية) للتوعية والتعليم البيئي المستدام تركز على طلبة المدارس في المرحلة الابتدائية عبر ما يعرف بمبادرة المدارس المستدامة فالتوعية فعل مستمر.

6. تمكين مؤسسات المجتمع المدني (الأهلي) من المساهمة في نشر الوعي البيئي.

7. خلق بيئة عمل ايجابية تتيح لكافة شرائح المجتمع وخصوصا الأفراد والمجموعات لإنتاج مبادرات صديقة للبيئة تساهم في تحقيق التنمية المستدامة.

8. اطلاق جوائز ومسابقات تحفز وتشجع على المنافسة في تطبيق أفضل الممارسات الخضراء.

9. نشر ثقافة البصمة البيئية ودور الفرد في التأثير.

10. تعزيز ثقافة المسؤولية المجتمعية بين كافة مكونات المجتمع (قطاع حكومي، قطاع خاص، مجتمع مدني، عائلات وأفراد..) على قاعدة أننا كلنا شركاء في المسؤولية لحقيق التنمية المستدامة. لأن السلوك المسؤول يؤدي الى نجاح مستدام.

المادة التالي >

تصميم الموقع من قبل Traffic